القرطبي
435
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ابن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة . والذي تحصل من مذهبهم - فيما ذكره بعض علمائنا - أنهم موحدون معتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة ، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري القادر بالله بكفرهم حين سأله عنهم . السادسة - قوله تعالى : ( من آمن ) أي صدق . و " من " في قوله : " من آمن " في موضع نصب بدل من " الذين " . والفاء في قوله " فلهم " داخلة بسبب الابهام الذي في " من " . و " لهم أجرهم " ابتداء وخبر في موضع خبر إن . ويحسن أن يكون " من " في موضع رفع بالابتداء ، ومعناها الشرط . و " آمن " في موضع جزم بالشرط ، والفاء الجواب . و " لهم أجرهم " خبر " من " ، والجملة كلها خبر " إن " ، والعائد على " الذين " محذوف ، تقديره من آمن منهم بالله . وفي الايمان بالله واليوم الآخر اندارج الايمان بالرسل والكتب والبعث . السابعة - إن قال قائل : لم جمع الضمير في قول تعالى : " لهم أجرهم " و " آمن " لفظ مفرد ليس بجمع ، وإنما كان يستقيم لو قال : له أجره . فالجواب أن " من " يقع على الواحد والتثنية والجمع ، فجائز أن يرجع الضمير مفردا ومثنى ومجموعا ، قال الله تعالى : " ومنهم من يستمعون إليك " [ يونس : 42 ] على المعنى . وقال : " ومنهم من يستمع إليك " على اللفظ . وقال الشاعر : ألما بسلمى عنكما إن عرضتما * وقولا لها عوجي على من تخلفوا وقال الفرزدق : تعال فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فحمل على المعنى ولو حمل على اللفظ لقال : يصطحب وتخلف . وقال تعالى : " ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات " فحمل على اللفظ . ثم قال : " خالدين " فحمل على المعنى ، ولو راعى اللفظ لقال : خالدا فيها . وإذا جرى ما بعد " من " على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى كما في هذه الآية . وإذا جرى ما بعدها على المعنى لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ لان الالباس يدخل في الكلام . وقد مضى الكلام في قوله تعالى : ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( 1 ) . والحمد لله .
--> ( 1 ) راجع ص 329 من هذا الجزء .